محمد حسين هيكل

241

حياة محمد ( ص )

الفصل الحادي والعشرون خيبر والرسل إلى الملوك الإسلام والتنظيم الاجتماعي - تحريم الخمر - رسل محمد إلى الملوك والأمراء - المسلمون واليهود - غزوة خيبر - القضاء الأخير على سلطة اليهود - رد الملوك على رسل النبي - في انتظار عمرة القضاء . عاد محمد والمسلمون معه من الحديبية قافلين إلى المدينة بعد ثلاثة أسابيع من تمام الصلح بينهم وبين قريش على ألا يدخلوا مكة هذا العام ، وأن يدخلوا العام الذي يليه . عادوا وفي نفوسهم من أمر هذا الصلح شيء ، أن اعتبره بعضهم غير متفق مع كرامة المسلمين ، حتى نزلت سورة الفتح وهم في الطريق وتلاها النبيّ عليهم . وجعل محمد يفكر أثناء مقامهم بالحديبية وبعد عودهم منها ماذا عساه يصنع للمزيد من تثبيت أصحابه ولزيادة انتشار دعوته . وانتهى به التفكير إلى إرسال رسله إلى هرقل وكسرى والمقوقس ونجاشي الحبشة وإلى الحارث الغسّانيّ وإلى عامل كسرى في اليمن ، كما انتهى به إلى ضرورة القضاء قضاء أخيرا على شوكة اليهود في شبه جزيرة العرب . نضج الدعوة الإسلامية والحقّ أن الدعوة الإسلامية كانت قد بلغت يومئذ من النّضج ما يجعلها دين الناس كافّة . فهي لم تقف عند التوحيد وما يقتضيه التوحيد من عبادات ، بل انفرج ميدانها وتناولت من صور النشاط الاجتماعي كلّها ما يوازي بينها وبين سمو فكرة التوحيد وما يجعل صاحبهما أدنى إلى بلوغ مراتب الكمال الإنساني وإلى تحقيق المثل الأعلى في الحياة . ولذلك نزلت الأحكام في كثير من أمور الاجتماع . تحريم الخمر اختلف مؤرّخو السيرة في تحريم الخمر متى كان ، وذهب بعضهم إلى أنه كان في السنة الرابعة للهجرة ، ولكن أكثرهم على أنه كان عام الحديبية . والفكرة في تحريم الخمر اجتماعية غير متصلة بالتوحيد من حيث هو التوحيد . ولا أدلّ على ذلك من أن التحريم لم ينزل به القرآن إلا بعد انقضاء عشرين سنة أو نحوها على بعث النبيّ ، وأن المسلمين ظلّوا يشربونها إلى أن نزل التحريم . ولا أدلّ على ذلك من أن التحريم لم ينزل مرّة واحدة ، بل نزل على فترات جعلت المسلمين يخفّفون منها ، حتى كان التحريم فانتهوا عن شربها . فقد روي عن عمر بن الخطاب أنه سأل عن الخمر وقال : اللهم بينّ لنا فيها ؛ فنزلت الآية : ( يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ